ابن سبعين

343

رسائل ابن سبعين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رسالة وصلى اللّه على سيدنا ومولانا محمد ، وآله وسلم كثيرا وله رضي اللّه عنه : من كفّ عن المهلكات بالكلية ، حتى عن حديث النفس بها ، وكاد أن يقال في حقه : « لا يصح صدورها منه ، ولا يمكن في حقه ذلك » ، وحفظ بالجملة ، ولا يظهر عليه ما يذم على الإطلاق ، وأمن كماله من قواطع شهوة البطن والفرج ومتعلقات الحواس الخمس الجسمانية ، والأربعة الروحانية ، وكان على بينة من شأنه في المنقلب ، وعصم من الاحتياج إلى الكلمات الخمس ، ثم الست ؛ لأنه نحو الصواب ، وتلك لا تحتاج إلا في محتملاتها ، والدواء لا تفتقر إليه الصحة ، وإن كان يستعمله الصحيح فهو لأجل المرض المقدر في المحل بالقوة ، ولكن يحفظ صحته ، فهو دواء بوجه ، وغذاء بوجه ، وألم ما لأجل راحة ما ؛ لأن الدوائية التي ترفع ألم المرض الحاضر لم توجد في ذلك الدواء ، والغذائية التي تخلف بدل ما تحلل من العضو لم توجد في ذلك الغذاء ، والألم الذي ينسب للمرض لم يوجد في حال ذلك الألم ، والراحة التي هي استراحة من مؤلم لم توجد في تلك الراحة ، ولكنه دواء ؛ لأنه في وقت ما يشبه الدواء ، ويكون حكمة حكم الدواء ، وقد لا يكون ذلك مع وجود استصحاب الحال في الصحة . وأيضا يشبه الدواء ؛ لأنه يرفع السبب الممرض ، كما أن الدواء الصحيح يرفع المرض الخاص المهلك ، فقد اتفق الدواء في رفع معقول ما لا يحتاج ، وهو غير طبيعي للمحل ، وهذا فيه بحث وتشكيك ، وغذاء بالنظر إلى بعض كميته في الأعضاء واستحالته ، وهو معقول المعنى في سائرها ، وغير مشعور به في الحس ، وألم لأنه محسوس الأثر غير أنه بإرادة إنسان ، وراحة يظن بها ؛ لأنها نيلت بإضافة ضر حاضر . فافهم هذا ، وتفهم لأي نيل ذلك كله ، وحاصله من جهة ما نحن بسبيله المخصوص الخاص الدعاء في حقه شبه الغيث ، وكذلك الرحمة ، غير أنها تطلق عليها من جهة الامتنان البسيط الذي لا يقال بإزاء ما يضطر إليه ، والنعمة تقال عليها ، وبها صح له ذلك ، وأمّا العفو والمغفرة ، وما أشبه ذلك ، فقد رحم بمدلولها ، وعصم من آثارها وفعلها فيه . وأعوذ باللّه من الحاجة إلى ذلك ، والرضوان عودته ، وهذا الرجل الذي بدأنا به هو هذا ، أو هو مع هذا يزهد ويعلم فبماذا ، ويصعد إلى ماذا ، ويعلم ويعلم كيف يعلم ، ويجد